علي الجارم / مصطفى أمين

146

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

والمدينة . وهو في المثال الثاني يخبره بما لم يكن يعرفه عن عمر بن عبد العزيز من العفة والزّهد في مال المسلمين . تأمل بعد ذلك المثالين التاليين ، تجد المتكلم لا يقصد منهما أن يفيد السامع شيئا مما تضمنه الكلام من الأحكام ؛ لأنّ ذلك معلوم للسامع قبل أن يعلمه المتكلم ، وإنما يريد أن يبين أنه عالم بما تضمنه الكلام . فالسامع في هذه الحال لم يستفد علما بالخبر نفسه ، وإنما استفاد أن المتكلم عالم به ، ويسمى ذلك لازم الفائدة . انظر إلى الأمثلة الخمسة الأخيرة تجد أن المتكلم في كل منها لا يقصد فائدة الخبر ولا لازم الفائدة ، وإنما يقصد إلى أشياء أخرى يستطلعها اللبيب ويلمحها من سياق الكلام ، فيحيى البرمكي في المثال الخامس لا يقصد أن ينبئ الرشيد بما وصل إليه حاله وحال ذوى قرباه من الذلّ والصّغار ؛ لأن الرشيد هو الذي أمر به فهو أولى بأن يعلمه ، ولا يريد كذلك أن يفيده أنه عالم بحال نفسه وذوى قرابته . وإنما يستعطفه ويسترحمه ويرجو شفقته ، عسى أن يصغى إليه فيعود إلى البرّ به والعطف عليه . وفي المثال السادس يصف زكريا عليه السّلام حاله ويظهر ضعفه ونفاد قوته . والأعرابي في المثال السابع يتحسر ويظهر الأسى والحزن على فقد ولده وفلذة كبده . وعمرو بن كلثوم في المثال الثامن يفخر بقومه ، ويباهى بما لهم من البأس والقوة : وطاهر بن الحسين في المثال الأخير لا يقصد الإخبار . ولكنه يحثّ عامله على النشاط والجدّ في جباية الخراج وجميع هذه الأغراض الأخيرة إنما تفهم من سياق الكلام لا من أصل وضعه . القواعد : ( 30 ) الأصل في الخبر أن يلقى لأحد غرضين : ( ا ) إفادة المخاطب الحكم الذي تضمّنته الجملة ، ويسمّى ذلك الحكم فائدة الخبر .